المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جبل لن يتكرر


اكاليل الورد
06/12/2009, 11:13 PM
جيل لن يتكرر






أتى شابّان إلى الخليفة عمر بن

الخطاب رضي الله عنه وكان في


المجلس وهما يقودان رجلاً من

البادية فأوقفوه أمامه




‏قال عمر: ما هذا





‏قالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا قتل أبانا





‏قال: أقتلت أباهم ؟





‏قال: نعم قتلته !





‏قال : كيف قتلتَه ؟


‏قال : دخل بجمله في أرضي ، فزجرته

، فلم ينزجر، فأرسلت عليه ‏حجراً

، وقع على رأسه فمات...





‏قال عمر : القصاص .... ‏الإعدام


.. قرار لم يكتب ...
وحكم سديد لا يحتاج مناقشة ،
لم يسأل عمر عن أسرة هذا الرجل،
هل هو من قبيلة شريفة ؟
هل هو من أسرة قوية ؟


‏ما مركزه في المجتمع ؟

كل هذا لا يهم عمر - رضي الله عنه -
لأنه لا ‏يحابي ‏أحداً في دين الله،

ولا يجامل أحدا ًعلى حساب شرع الله ،


ولو كان ‏ابنه ‏القاتل، لاقتص منه ..


‏قال الرجل : يا أمير المؤمنين :

أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض ‏
أن تتركني ليلة ،
لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية،

فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني، ثم أعود إليك ،


والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا





قال عمر :
من يكفلك أن تذهب إلى البادية، ثم تعود إليَّ؟





‏فسكت الناس جميعا، إنهم لا يعرفون اسمه،
ولا خيمته، ولا داره ‏ولا قبيلته ولا منزله،


فكيف يكفلونه،
وهي كفالة ليست على عشرة دنانير،
ولا على ‏أرض، ولا على ناقة


إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف ..







‏ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله ؟
ومن يشفع عنده ؟ ومن ‏يمكن أن يُفكر في وساطة لديه ؟
فسكت الصحابة، وعمر مُتأثر، لأنه ‏وقع في حيرة،

هل يُقدم فيقتل هذا الرجل، وأطفاله يموتون جوعاً


هناك أويتركه فيذهب بلا كفالة،


فيضيع دم المقتول، وسكت الناس،


ونكّس عمر ‏رأسه، والتفت إلى الشابين :


أتعفوان عنه ؟


‏قالا : لا ، من قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين..





‏قال عمر : من يكفل هذا أيها الناس ؟!!





‏فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته وزهده، وصدقه،

وقال: ‏يا أمير المؤمنين، أنا أكفله





‏قال عمر : هو قَتْل، قال : ولو كان قاتلا!





‏قال: أتعرفه ؟





‏قال: ما أعرفه،

قال : كيف تكفله ؟




‏قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين، فعلمت أنه لا يكذب،

وسيأتي إن شاء‏الله





‏قال عمر : يا أبا ذرّ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني


تاركك!


‏قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين ...





‏فذهب الرجل، وأعطاه عمر ثلاث ليال ٍ، يُهيئ فيها نفسه، ويُودع ‏أطفاله وأهله،

وينظر في أمرهم بعده، ثم يأتي،

ليقتص منه لأنه قتل ....





‏وبعد ثلاث ليالٍ لم ينس عمر الموعد، يَعُدّ الأيام عدا،


وفي العصر‏نادى ‏في المدينة :


الصلاة جامعة، فجاء الشابان، واجتمع الناس،

وأتى أبو ‏ذر


‏وجلس أمام عمر، قال عمر: أين الرجل؟

قال : ما أدري يا أمير المؤمنين!




‏وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس،


وكأنها تمر سريعة على غيرعادتها ، وسكت ‏الصحابة واجمين،


عليهم من التأثر مالا يعلمه إلا الله.



‏صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر،

وأنه يقطع له من جسمه إذا أراد ‏لكن هذه شريعة ،

لكن هذا منهج، لكن هذه أحكام ربانية،

لا يلعب بها ‏اللاعبون ‏ولا تدخل في الأدراج لتُناقش صلاحيتها،

ولا تنفذ في ظروف دون ظروف ‏وعلى أناس


دون أناس، وفي مكان دون مكان...





‏وقبل الغروب بلحظات، وإذا بالرجل يأتي،
فكبّر عمر، وكبّر المسلمون ‏معه





‏فقال عمر: أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك، ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك !!





‏قال: يا أمير المؤمنين،
والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى !!
ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي


كفراخ‏ الطير لا ماء ولا شجر في البادية،
وجئتُ لأُقتل..


وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء


بالعهد من الناس





فسأل عمر بن الخطاب أبو ذر :
لماذا ضمنته؟؟؟


فقال أبو ذر :


خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس




‏فوقف عمر وقال للشابين :
ماذا تريان؟


‏قالا وهما يبكيان :
عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه..



وقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس !


‏قال عمر : الله أكبر ، ودموعه


تسيل على لحيته .....





‏جزاكما الله خيراً
أيها الشابان على عفوكما،
وجزاك الله خيراً يا أبا ‏ذرّ ‏يوم فرّجت
عن هذا الرجل كربته

، جزاك الله خيراً أيها الرجل ‏لصدقك ووفائك ...




‏وجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين
لعدلك و رحمتك....




‏قال أحد المحدثين :


والذي نفسي بيده، لقد دُفِنت سعادة الإيمان ‏والإسلام في أكفان عمر!!.